ابن أبي الحديد
140
شرح نهج البلاغة
إياه السجود الذي وقع الغي عنده من الشيطان ، لا من الله ، فصار حيث وقع عنده ، كأنه موجب عنه ، فنسب إلى البارئ ، والتكليف تعريض للثواب ولذة الأبد ، فكان جدير أن يقسم به ، وقد أقسم في موضع آخر ، فقال ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) ( 1 ) ، فاقسم بالعزة ، وهاهنا أقسم بالامر والتكليف . ويجوز فيه وجه ثالث ، وهو الا تكون الباء قسما ، ويقدر قسم محذوف ، ويكون المعنى بسبب ما كلفتني فأفضى إلى غوايتي ، أقسم لأفعلن بهم نحو ما فعلت بي ، وهو أن أزين لهم المعاصي التي تكون سبب هلاكهم . فان قلت ليس هذا نحو ما فعله البارئ به ، لان البارئ امره بالحسن فأباه ، وعدل عنه إلى القبيح ، والشيطان لا يأمرنا بالحسن فنكرهه ونعدل عنه إلى القبيح ، فكيف يكون ذلك نحو واقعته مع البارئ قلت المشابهة بين الواقعتين في إن كل واحدة منهما تقع عندها المعصية ، لا على وجه الاجبار والقسر ، بل على قصد الاختيار ، لان معصية إبليس كانت من نفسه ، ووقعت عند الامر بالسجود اختيارا منه لا فعلا من البارئ ، ومعصيتنا نحن عند التزيين والوسوسة تقع اختيارا منا لا اضطرارا يضطرنا إبليس إليه ، فلما تشابهت الصورتان في هذا المعنى حسن قوله ( بما فعلت بي كذا لأفعلن بهم نحوه ) . فان قلت ما معنى قوله ( في الأرض ) ومن أين كان يعلم إبليس أن آدم سيصير له ذرية في الأرض قلت اما علمه بذلك فمن قول الله تعالى له وللملائكة ( انى جاعل في الأرض خليفة ) ( 2 ) واما لفظة ( الأرض ) ، فالمراد بها هاهنا الدنيا التي هي دار التكليف ، كقوله تعالى
--> ( 1 ) سورة ص 82 . ( 2 ) سورة البقرة 30 .